القطاع التعاوني فرصة بناء وطن 24 / 5 / 2017

القطاع التعاوني فرصة بناء الوطن 24-5-2017 ( مجلة المصور )

لم يكن غريبا ان يكون الرئيس عبد الفتاح السيسي هو أول رئيس لمصر بعد الزعيم جمال عبد الناصر يهتم بالحركة التعاونية فهو يعلم بثقافته ووعيه الوطني قيمة التعاونيات ويدرك أهمية دعمها و الأستناد إليها كشريك أساسي لا غنى عنه في التنمية الشاملة التي يستهدفها .

كما يعلم الرئيس أن التعاونيات في مصر ليست كيانا هشا و لاهي جمعيات ضعيفة ، وأنما هي قطاع ضخم و حركة شعبية تمتد من العاصمة و حتى القرى و النجوع من خلال أكثر من 12 ألف جمعية تضم نحو 18 مليون عضو .

يعلم الرئيس أن القطاع التعاوني هو أهم وأثمن الأدوات لتحقيق التنمية الإقتصادية و الإجتماعية الهادفة لرفع مستوى المعيشة للمواطنين .

يعلم الرئيس ان التعاونيات هي التي وفرت اسباب العيش لنحو ثلاثة مليارات نسمة على مستوى العالم فحسب تقرير الأمم المتحدة نصف سكان العالم يستفيدون بدرجة او بأخرى من التعاونيات التي تضم في عضويتها مليار تعاوني .

يعلم الرئيس ان القطاع التعاوني هو احد اهم القطاعات الاكثر قدرة على ايجاد حلول حقيقية لازمة البطالة التي تشغل بال الجميع ، و يكفي أن القطاع التعاوني يوفر أكثر من 100 مليون فرصة عمل على مستوى العالم بنسبه تزيد 20 بالمائة على الاقل عن الفرص التي توفرها الشركات متعددة الجنسيات .

يعلم الرئيس ايضا ان القطاع التعاوني في كثير من الدول قد تصل مساهمته في بعض القطاعات الرئيسية إلى ما يزيد على 90 بالمائة ، فنسبة 95 بالمائة من الزهور التي تنتجها هولندا من القطاع التعاوني ، و 90 بالمائة من الألبان المنتجة في باراجواي تأتي من التعاونيات ، وأكثر من 90 بالمائة من المصائد السمكية في مالطة قطاع تعاوني .

الأهم أن الرئيس يعلم أن أفضل ما يميز أعضاء التعاونيات قناعتهم بدورهم في التنمية و التفافهم حول قيادتهم و مساندتهم لبلدهم ، فهم ليسوا طلاب ثروات و لا باحثين عن منافع شخصية ، وإنما راغبون في خدمة وطنهم و تحقيق العيش الكريم لكل مصري من خلال تنمية شعبية اجتماعية و إقتصادية .

ولكل هذا لم يتردد الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ تولي المسئولية في دعم هذا القطاع المهم سواء من خلال لقاءاته مع رئيس الاتحاد التعاوني الدكتور أحمد عبد الظاهر أو منحه قلادة العمل في عيد العمال أو مايو .

إن الإهتمام الرئاسي الحالي بالحركة التعاونية مرجعه انها أصبحت عنصرا حاكما في التنمية الإقتصادية ، صحيح أن هذا الدور موجود و فاعل منذ ظهرت الحركة و أطلت على عالمنا المعاصر في 1908 ، لكنه زاد و تأكد و فرض نفسه خلال السنوات الماضية .

و لكي نفهم أهمية هذا القطاع و دوره التاريخي فلا بد من التأكيد على أن مصر كانت من أوائل الدول التي أهتمت بالحركة التعاونية على المستوى المحلي و الإقليمي و الدولي ، حيث كانت عضوا دائما في الحلف التعاوني الدولي و شريكا أساسيا و هاما في نشر الحركة التعاونية على المستوى الإفريقي و الشرق الأوسط و منذ أن دخلت الحركة التعاونية مصر وهي تمثل جزءا محوريا في تفكير و توجيهات الزعماء الوطنيين فكانت احد أهم محاور العمل الوطني للزعيمين الراحلين مصطفى كامل ، و محمد فريد لأنهما كانا يريدان التنمية المجتمعية القائمة على العدالة، و هو نفس ما سار عليه بعد ذلك الزعيم جمال عبد الناصر ، وهذا أيضا هو ما يدفع الرئيس السيسي حاليا لإعادة الإهتمام بالتعاونيات و فتح المجال أمامها لتشارك في تحقيق التنمية الإجتماعية و الإقتصادية جنبا إلى جنب مع القطاعين العام و الخاص إضافة إلى القطاع الحكومي .

و المؤكد ان هذا الدور المنتظر للقطاع التعاوني هو ما جعل لجنة الخمسين تخصص 11 مادة كاملة في الدستور لمصري الجديد 2014 للقطاع التعاوني للتأكيد على أهمية هذا القطاع الضخم و على أن فلسفة الدولة في الفترة القادمة ستركز على هذا القطاع ليتحمل مسئوليته و أنه لن يتم تهميشه مرة أخرى .

يقيناً كان للأزمة الإقتصادية التي حاصرت العالم في 2008 و كانت تؤدي إلى إنهيار الإقتصاد العالمي دور في التنبيه لأهمية العودة إلى القطاع التعاوني فقد كانت هذة الأزمة بمثابة إنذار شديد بوضع إقتصادي خطير ، ومنذ وقتها أدرك الإقتصاديون انه لابد من دخول الإقتصاد الإجتماعي كعنصر حاكم لخلق حلقة الإتزان في المنظومة الإقتصادية العالمية حتى لا تترك أليات السوق لدوافع تحكمها عمليات الربع فقط .

و كانت نتيجة هذا أن أغلب دول العالم على إختلاف توجهاتها الإقتصادية إشتراكية كانت أو رأسمالية أضطرت للجوء إلى النظام التعاوني ، فوجدنا دولا مثل إنجلترا و فرنسا و السويد و ألمانيا ، بل و أمريكا رغم رأسماليتها الواضحة لجأت إلى تعظيم دور التعاونيات لتنقذ إقتصادها .

و في نفس الوقت زادت دول أخرى على النقيض الإقتصادي مثل الصين و روسيا و رومانيا من دور التعاونيات ، بل و في دولة مثل اليابان التي شهدت نهضة كبيرة أصبحت التعاونيات أحد العناصر الهامة في التنمية الإقتصادية ، خاصة فيما يتعلق بالتسويق التعاوني ، كما نهجت نفس الإتجاه دول النمور الأسيوية مثل كوريا و ماليزيا و سنغافورة و بشكل عام دول جنوب شرق أسيا لحقتها بعدها كندا وأمريكا اللاتينية و إذا كان هذا هو وضع التعاونيات في العلم فإنها في مصر تمثل أهمية خاصة جدا لأنه في ظل غياب تنظيمات إجتماعية و أحزاب سياسية فاعلة في حركة التنمية الإجتماعية وقواعد جماهيرية تستطيع أن ترسي ثقافة العمل الجماعي و تؤكد على الدور المؤسسي للتنمية الإقتصادية الشاملة و المتكاملة في مصر، يصبح من الضرورة أن تتعاظم أهمية دور القطاع التعاوني في المرحلة المستقبلية التي نحتاج فيها لزيادة وتيرة التنمية و أن تكون شاملة فهذا حلم لن يستطيع قطاع أخر غير التعاونيات تحقيقه ، لأنه قطاع موجود في كل المجالات تقريبا من الزراعة إلى الإسكان إلى الإنتاج و الإستهلاك والثروة السمكية .

إن التعاونيات كنموذج تلعب دورا في إرساء قيم ثقافة العمل الجماعي ، والأهم من ذلك أنها تحقق عدالة توزيع الثروة ، ولهذا فإننا نجد دائما الدول التي تهتم بالحركة التعاونية تتوزع الثروة فيها على نسبة كبيرة من الشعب و لا تنحصر في أعداد قليلة ، وكما أثبتت الدراسات الصادرة من الأمم المتحدة فإن البلاد التي أخذت بفكر الإقتصاد الإجتماعي و عظمت دور التعاونيات أستطاعت بالفعل أن تعيد توزيع الثروة و تمنع تكدسها في فئات أو نسبة محدودة من الشعب على غرار ما حدث في الدول الرأسمالية حيث تتركز الثروة في عائلات بعينها في قطاعات إقتصادية بذاتها .

وهناك ميزة أخرى في هذا القطاع في الجمعيات التعاونية المنتشرة على مستوى القرى و النجوع و الكفور تدار من خلال إطار مؤسسي من القاعدة إلى القمة ، ومن خلال جمعيات عمومية و مجالس إدارات يتم أختيار أعضائها بالإنتخابات المباشرة ، وهو ما يؤكد الممارسة الديمقراطية و ثقافة العمل الجماعي و قبول الأخر .

وطالما نتحدث عن هذا القطاع و أهميته فلابد أن نتذكر رموزه المؤسسين ، وإذا كان عمر بك لطفي هو رائد الحركة التعاونية المصرية و أحد أهم الرموز الذين ساهموا في إثرائها ، فإن الدكتور كمال أبو الخير قد أضاف إلى الحركة التعاونية صرحاً كان بمثابة نقطة التحول الحقيقية في هذا المجال ، وهو المعهد العالي للدراسات التعاونية و الإدارية و الذي أصبح هو القاطرة العلمية التي تقود الحركة التعاونية في مصر ، فمنذ إنشاء المعهد قبل 60 عاماً و هو يعتمد في أدائه على الأسلوب و المنهج العلمي ، سواء في التعليم أو التدريب أو الإستشارات و البحوث ، كما وفر له الدكتور أبو الخير مراكز تدريب على أعلى مستوى وقاعات محاضرات مجهزة بأحدث التقنيات ، الأمر الذي جعله صرحاً علمياً مؤهلاً لأداء دور مؤثر في المرحلة القادمة ، بل و ينبغي أن يتبوأ مكانة كبيرة ليس فقط ليلعب دوراً فاعلاً في إعادة صياغة الحركة التعاونية في البلاد بمفاهيم حديثة تناسب العصر ويشارك بإيجابية و فعالية في خطة الدولة للتنمية الإقتصادية و الإجتماعية .

بل يمكن لهذا المعهد أيضاً ان يسهم و بشكل مختلف في الفترة القادمة بأن يكون أول جامعة تعاونية في الشرق الأوسط على غرار الجامعات التي قادت الحركة العلمية والثقافية في الصين و روسيا و إنجلترا و أمريكا .

وقد بدأ المعهد بالفعل في أولى الخطوات لتحقيق هذا الهدف منذ تولي الرئيس السيسي مهام الرئاسة من خلال عقد دورات تدريبية للإتحادات النوعية لربط القاعدة الشعبية التعاونية بالمراكز البحثية العلمية و تدريب الكوادر على كيفية المشاركة في حركة التنمية و إرساء ثقافة العمل الجماعي الذي هو الأصل في نشر الحركة التعاونية .

نعود إلى القطاع التعاوني كنموذج تنموي حقيقي يصل حجم أعمالة في مصر إلى ما يزيد على 70 مليار جنيه و قابلة للزيادة تعمل في مجالات متعددة كلها تصب في خدمة المواطن البسيط و متوسط الدخل ، وتلعب دورا في تحقيق التوازن في الأسعار و كبح معدل التضخم ، و مواجهة الأزمات ، ولذلك فالموضعية تقتضي منا أن نقول و بصدق : أحسن الرئيس عندما التفت إلى هذا القطاع وقدر أهميته .

صحيح أن هناك 14 صعوبة تواجه العمل التعاوني في مصر ، بعضها حكومي و بعضها يرجع إلى الظروف الإقتصادية ، منها إصدار الدولة لبعض التشريعات المناهضة لتنمية التعاونيات مثل قوانين الجمارك ، و إلغاء العديد من الإعفاءات و المزايا التي كانت تتمتع بها التعاونيات ، بالإضافة إلى عدم الإستجابة لرغبات التعاونيين في إصدرا التشريعات الموحدة ، حيث تتعدد التشريعات و لا تتناسب مع المتغيرات الإقتصادية و الإجتماعية الحالية ، و تعدد جهات الرقابة من قبل الدولة على الحركة التعاونية بقطاعاتها الخمسة ، و أيضا إستبعاد التعاونيات الإسكانية من المشاركة في المشروعات الإسكانية أو تخصيص الأراضي لها أو ضمها للجان المختصة برسم سياسات الإسكان على مستوى الدولة ، لكن رغم كل هذا فالمؤكد أن أهتمام الرئيس بهذا القطاع سوف يكون له تأثيره على أنهاء هذة الصعوبات و عودة التعاونيات إلى ممارسة دورها ، من خلال توفير المناخ الملائم لعملها ، سواء بتغيير البنية التشريعية المعطلة ، حتى تتماشى مع التوجهات الدستورية الجديدة ، او تقليص دور الإجهزة الإدارية ذات العلاقة بالقطاع التعاوني لضمان سرعة تأسيس الجمعيات التعاونية و فتح المجال لحرية و مرونة العمل الإقتصادي التعاوني .

وأخيرا يجب التأكيد على أن منظمات المجتمع المدني و في مقدمتها الأتحاد العام للجمعيات الأهلية و الذي يضم 47 ألف جمعية و 25 مليون مستخدم تمثل قيمة مضافة حقيقية لمصر ، فهذة الجمعيات يتميز العمل فيها بأنه يتم من وجدان متحرر و بوازع من ضمائر أعضائها لتعظيم دور الوظيفة الإجتماعية لرأس المال الأمر الذي نرى معه أن الإتحاد التعاوني بكافة قطاعاته الزراعية و الإنتاجية و الإستهلاكية و السمكية ، وعلى الجانب الأتحاد العام للجمعيات الأهلية من الممكن أن يكونوا الركيزة الأساسية لإعادة الحركة الحياتية في المجتمع وبث قيم التعاون و الإيثار و إرساء ثقافة العمل التطوعي وهنا يجب ان نشير إلى أنه حينما نتحدث عن العمل التطوعي فلابد أن نفصل بين العمل التطوعي من خلال مؤسسات و بين الإدارة المهنية لهذة المؤسسات ، والتي يجب أن تكون بأسلوب علمي و بأعلى مستوى من الإدارة التي تحقق الهدف المطلوب منها للتنمية اللإقتصادية و الإجتماعية و رفع كفاءة المجتمع وتطويره .

ولكل هذا فإنني أثمن و أثني على فكرة إنشاء المجلس الأعلى للتعاونيات و منظمات لعمل الأهلي و دوره الريادي في مجال التنمية و التطوير و أعتقد أن الأفضل لمستقبل العمل التعاوني ،أن يترأس هذا المجلس رئيس الجمهورية على غرار ما حدث في المجلس الأعلى للإستثمار بحيث يضم هذا المجلس الإتحادات التعاونية بأنواعها و منظمات المجتمع الأهلي ليكون فاعلا و مؤثراً في التنمية الشاملة التي يبتغيها الرئيس عبد الفتاح السيسي .

 

السيرة الذاتية