أمريكا و ايران و سياسة أضرب و صالح 18 / 1 / 2020

أمريكا وإيران وسياسة ( أضرب .. وصالح ) جريدة الدستور 18-1-2020

هل يمكن أن تحدث حرب بين أمريكا وإيران؟ وهل ما يجرى الآن بين البلدين يعكس بشكل حقيقى ما تتسم به تلك العلاقة بينهما؟.. ففى رحلة عمل قصيرة قمت بها الأسبوع الماضى إلى أمريكا بدأت بنيويورك وانتهت بفلوريدا عشت أحداثًا سياسية كادت نارها تشعل الشرق الأوسط بالكامل.
ليس هذا فحسب، بل إن تلك الأحداث من فرط سخونتها تكاد تذيب ثلوج عواصف البرد بشرق وشمال أمريكا، وترفع حرارة طقس فلوريدا مما أغرى الرئيس الأمريكى لقضاء عطلة أعياد الميلاد بها، لممارسة هواية الجولف المفضلة له، والتى أثارت فضول بعض المحطات الفضائية المشاكسة له بحصر عدد الساعات التى يقضيها بها، حين اتضح أنها تبلغ ضعف ما قضاه أوباما فى ملاعبها، بينما انفرد ترامب بأقل عدد ساعات عمل مكتبى بالبيت الأبيض، وهو ما يعكس اختلافات فى التركيبة الشخصية للرئيسين إلى حدود تجاوزت الاختلافات الأيديولوجية بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى إلى أسلوب حياة الرئيس.

ترامب رجل أعمال، يدير البيت الأبيض من قاموس البيزنس بقواعده ومصطلحاته، وهو ما صارح به العالم منذ ولايته «أمريكا أولا»، وهو سر الفجوة القائمة بينه والعالم وحتى مع حلفاء وشركاء أمريكا فى عهود سابقة، رجل الأعمال ترامب استبدل العولمة «Globalization»، بالقومية «Nationalism»، ويدير شئون أمريكا بأسلوب الإدارة الشاملة «Macro»، وليس الإدارة الجزئية «Micro» التى تغرق الساسة عادة فى الهموم الفرعية والشوارع الجانبية، وهو ما برهن عليه ترامب فى طريقه استقباله نبأ إطلاق إيران صواريخها على قاعدتين أمريكتين بالعراق، حينما اكتفى بكتابة تغريدة على موقع «تويتر» قبل أن يذهب لسريره، واعدًا ببيان عقب حصر الخسائر ولسان حاله للعالم «تصبحون على خير».

وصلت المحطة الأولى فى رحلتى، نيويورك، وكان الحديث دائرًا حول أحداث هجوم شخص بسكين على منزل حاخام يهودى فى نيويورك أثناء احتفاله وأصدقائه بـ«عيد الأنوار» اليهودى «هانوكا»، مما تسبب فى طعن جماعى لبعضهم، ما أثار رد فعل غاضب من المنظمات اليهودية بالعالم لتكرار تلك الاعتداءات خلال الفترة الأخيرة، مما شكل ظاهرة غير مسبوقة، وهو ما دفع حاكم نيويورك إلى طلب تعديل تشريعى يغير توصيف الواقعة من اعتداء جنائى إلى عمل إرهابى «Domestic Terrorism»، وهو مصطلح جديد استحدثه حاكم نيويورك لاسترضاء اليهود السلفيين، ولكنى أراه استجابة متأخرة لدعوة سابقة من الرئيس السيسى، حينما طالب المجتمع الدولى بتعديل مفهوم الإرهاب وقائمة الممارسين له، لتشمل المحرضين والمرتكبين لما يعكر الاستقرار والسلام الاجتماعى، وهى الدعوة المبكرة التى لم تلق للأسف الاستجابة الواجبة فى حينها حتى استيقظ لها حاكم نيويوك مؤخرًا.

تعجبت وأنا أتابع شكوى الجالية اليهودية من الاضطهاد والمطاردة الإرهابية لهم فى عقر دارهم بنيويورك، بينما يحتفل أشقاؤهم من الطائفة اليهودية فى مصر يوم الجمعة الماضى بإعادة افتتاح معبد يهودى من القرن الرابع عشر فى الإسكندرية، بعد ترميمه على نفقة الدولة بأكثر من ٤ ملايين دولار، وسر تعجبى بالطبع هو قصورنا الإعلامى الخارجى فى استثمار وتسويق هذا الحدث فى هذا التوقيت بالذات، ليعكس التزام مصر الحضارى بالحفاظ على أماكن العبادة لليهود المصريين والمسيحيين الأقباط.

واصلت رحلتى إلى فلوريدا وسط مخاوف العالم من حرب عالمية ثالثة تنطلق شرارتها الأولى من الشرق الأوسط، والحقيقة أن قلقى لم يكن من الحرب المحتملة بقدر انزعاجى من توقيتها الوشيك وأنا بعيد عن الوطن، بالرغم من أن معايشة أحداثها من أمريكا جعلتنى أكثر اطمئنانًا من نهايتها المحتملة من واقع متابعتى على قناة ٍSPAN C- -، وهى قناة تنقل على الهواء مباشرة وقائع جلسات ولجان مجلسى النواب والشيوخ الأمريكى، وهو ما نفتقر إليه فى مصر حاليًا للارتقاء بالوعى السياسى، ففى حوار شرح بومبيو، وزير الخارجية، أسلوب ترامب فى إدارة ملفات السياسة الخارجية، التى تبدو غامضة للكثيرين، لافتقادها استراتيجية واضحة، واعتمادها على تغريدات ترامب اليومية، وشعارها «Conflict and Contain» وتعنى بالعامية «اضرب وصالح»، وبالفصحى «صدام واحتواء»، وهو شعار تبرهن على صحته أحداث وأزمات عديدة خلال الأربع سنوات الماضية أدارها ترامب بصفعة يعقُبها قبلة، وأبرزها تهديداته العنيفة لزعيم كوريا الشمالية بالهلاك والدمار التى انتهت قبيل وقوع الواقعة بدقائق بالمصافحة وغزل المصالحة.

وهذا جعلنى أراهن على النهاية المحتملة لتصاعد الصدام بين إيران وأمريكا وتوقعى المسبق للسيناريو، الذى تناقلته وكالات الأنباء العالمية، عقب اغتيال سليمانى بقبول ترامب اتفاقًا سريًا لاسترضاء يحفظ وجه حكام إيران، ولا يخدش كبرياء أمريكا العظمى، وذلك بإطلاق إيران بضعة صواريخ فى الفضاء، واكتفاء أمريكا بالرد عليها بمضاعفة حصارها الاقتصادى عليها بشكل آخر من أشكال الإرهاب يطلق عليه الإرهاب الاقتصادى «Economic Terrorism»، مما جعلنى أستوعب شعار ترامب فى إدارة الأزمات وهو «اضرب وصالح».

وبعيدًا عن الحديث بشأن الأحداث الساخنة والملتهبة التى تشهدها منطقة الشرق الأوسط، فإنه لا يزال السؤال الأهم والأبرز الذى يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن أن تندلع الحرب فى منطقة الشرق الأوسط بسبب توتر العلاقات بين أمريكا وإيران؟

واللافت للنظر أن الإجابة معروفة وواضحة، وترجع إلى أن الرئيس الأمريكى ترامب أعلن مرارًا وبشكل حاسم أنه لا يريد حربًا مع إيران، وأن كل ما يريده من وراء هذا الحشد العسكرى الحالى، الذى يتنبأ بحرب وشيكة، هو المناورة السياسية لمنع إيران من شن أى هجوم على المصالح الأمريكية، ليس هذا فحسب بل إنه يسعى وبشكل دائم إلى زيادة الضغط على النظام الإيرانى من أجل تغيير سياساته العدوانية وأطماعه التوسعية فى المنطقة.

وهناك على الجانب الآخر، القادة الإيرانيون أعلنوا مرارًا وتكرارًا أنهم لا يستبعدون نشوب الحرب، بينما لا يريدون الدخول فى حرب أصلًا ويضعونها فى آخر قائمة خياراتهم، كما أن أغلب الكتاب والمحللين يذهبون أيضًا فى تقديراتهم وتحليلاتهم الاستراتيجية إلى استبعاد نشوب تلك الحرب التى تروج لها بعض وسائل الإعلام الغربية لأسباب غير معروفة، ومع كل هذا فإن بعض المحللين المعروفين فى الغرب يقولون إنه من الخطأ استبعاد احتمال نشوب الحرب، فى تقديرهم أن الحرب يمكن أن تندلع فعلًا فى أى وقت، حتى لو أن القادة فى البلدين لا يريدون ذلك فى تصريحاتهم ومواقفهم المعلنة.

أمَّا كيف يمكن أن تندلع الحرب، فلأسباب كثيرة فى تقديرهم.. فقد كتب مولن كاهل، أحد كبار الخبراء والمحللين، مدير معهد الدراسات الدولية والتعاون فى جامعة ستانفورد الأمريكية، وعمل سابقًا مساعدًا لوزير الدفاع الأمريكى، ومساعدًا للرئيس أوباما، ومستشارًا للأمن القومى لنائب الرئيس بايدن: «مع التصعيد الحالى، يؤكد القادة الأمريكيون والإيرانيون فى تصريحاتهم العلنية أنهم يريدون تجنب اندلاع الحرب. ومع هذا، فإن التاريخ ملىء بالحوادث، وسوء التفاهم، وسوء الحسابات، والأجندات الخفية والعوامل الأخرى، التى أدت إلى اندلاع صراعات مسلحة لم يكن أحد يريدها من الأطراف المعنية»، يقصد أن الحرب يمكن أن تندلع ببساطة لعوامل كثيرة دون أن يكون ذلك بإرادة قادة البلدين.

ولكن فى ظل الاتهامات والتهديدات المتبادلة بين طهران وواشنطن، وبلوغ اللغة المتبادلة بينهما حدًا غير مسبوق من التوتر والتوتير، تغيب عن الاهتمام مؤشرات أخرى تفتح الباب لخيارات أخرى غير المواجهة والتصعيد، ويظل احتمال التوصل إلى توافقات وتفاهمات على الطاولة، إلى جانب خيار التصعيد والمواجهة، وذلك فى تقديرى يعود إلى أمرين فى منتهى الأهمية: الأول، يتعلق بالإدارة الأمريكية التى تدرك بلا شك أن شبكة العقوبات التى فرضتها على إيران «مثقوبة» فى أكثر من مطرح، وأن الرئيس ترامب قد يغادر بيته الأبيض قبل أن ترفع طهران رايتها البيضاء، وتظل على عنادها وغطرستها.. والأمر الثانى، يتصل بإيران التى وإن طغت على خطابها نبرة التحدى والاستخفاف بالعقوبات والثقة بقدرتها على إلحاق الهزيمة بواشنطن، إلا أن حكومة روحانى ومن ورائها مرجعية خامنئى تدركان تمام الإدراك أن عبء العقوبات الثقيل يصعب حمله لفترة طويلة من الوقت، وأنه قد يفضى إلى ما لا تحمد عقباه داخليًا على المديين المتوسط والبعيد، وأن نفوذ طهران الإقليمى يواجه تحديات حقيقية بعد أن بلغ ذروة غير مسبوقة فى الفترة الأخيرة.

واستوقفنى فى هذا الصدد تقرير لشبكة «سى إن إن» تناول مقارنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران من خلال عدة زوايا، فمن حيث التصنيف العالمى يحتل الجيش الأمريكى المرتبة الأولى عالميًا، بينما يحتل نظيره الإيرانى المرتبة الرابعة عشرة، بين أقوى جيوش العالم.. وفيما يتعلق بالقوة البشرية، يتجاوز عدد سكان الولايات المتحدة 329 مليون نسمة، بينهم 144 مليون نسمة قوة بشرية متاحة فى حين يصل عدد أفراد الجيش الأمريكى إلى 2.141 مليون جندى، بينهم 860 فى قوات الاحتياط، فى حين يبلغ عدد سكان إيران أكثر من 83 مليون نسمة، بينهم قرابة 47 مليون نسمة قوة بشرية متاحة، فى حين يصل عدد أفراد الجيش الإيرانى إلى 873 ألف جندى، بينهم 523 ألف جندى فاعل و 350 ألفًا فى قوات الاحتياط.
أما بالنسبة للقوة الجوية، فإن سلاح الجو الأمريكى يحتل المرتبة الأولى عالميًا حيث يمتلك 13398 طائرة حربية، بينها 2363 مقاتلة، و 2831 طائرة هجومية، وأكثر من 1153 طائرة شحن عسكرى، إضافة إلى 2853 طائرة تدريب، و 5760 مروحية عسكرية منها 971 مروحية هجومية، كما تمتلك أمريكا عددًا هائلًا من المطارات الصالحة للخدمة يبلغ عددها 13513 مطارًا، فى حين يحتل سلاح الجو الإيرانى المرتبة 24 عالميًا، ويمتلك 509 طائرات حربية متنوعة منها 142 مقاتلة، و 165 طائرة هجومية و 89 طائرة نقل عسكرى، إضافة إلى 126 طائرة مروحية.

وفيما يتعلق بالقوة الأرضية، فإن الجيش الأمريكى يمتلك أكثر من 6287 دبابة و٣٩٢٢٣ مدرعة و 992 مدفعًا ذاتى الحركة وأكثر من 864 مدفعًا ميدانيًا، إضافة إلى 1056 راجمة صواريخ، فى حين يمتلك نظيره الإيرانى أكثر من 1600 دبابة و 2345 مدرعة و 570 مدفعًا ذاتى الحركة إضافة إلى 1900 راجمة صواريخ.

وبالنسبة للقوة البحرية، فإن الأسطول البحرى الأمريكى يضم 415 قطعة بحرية منها 24 حاملة طائرات، و22 فرقاطة، و68 مدمرة و68 غواصة، إضافة إلى 11 كاسحة ألغام، فى حين يضم الأسطول البحرى لإيران قرابة 400 قطعة بحرية متنوعة منها 6 فرقاطات و 3 طرادات و34 غواصة، بالإضافة إلى 88 سفينة دورية و 3 سفن متخصصة بالألغام، بينما تعد القوة النووية العامل الفاصل فى ميزان القوى بين الدول، ويُعتقد أن الولايات المتحدة تمتلك 4000 سلاح نووى، وفقًا لموقع «Atomic Scientists’ Nuclear Notebook».

واختتم التقرير بإلقاء الضوء على ميزانية الدفاع، مشيرًا إلى أن ميزانية الدفاع ومعدل الإنفاق السنوى للجيش الأمريكى يبلغان ٧١٦ مليار دولار أمريكى، أما نظيره الإيرانى فتبلغ ٦.٣ مليار دولار أمريكى فقط وهذا فارق كبير جدًا.

خلاصة القول.. إن الفرق كبير جيدًا بين القوتين، وهو ما يؤكد أننا أمام مسرحية هزلية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.1

السيرة الذاتية