أفق السلام في المنطقة 6 / 7 / 2019

أفق السلام في المنطقة جريدة الدستور 6-7-2019

لم يكن الحدث الدولى المعروف باسم ورشة المنامة، التى أقيمت فى عاصمة مملكة البحرين، فى نظرى سوى مجرد حلقة فى سلسلة فوضى السياسة الدولية التى تقف خلفها وبشكل لافت للنظر الولايات المتحدة الأمريكية.

وبالطبع لم أعر هذا الأمر أى اهتمام يذكر، ولكن ما إن وجدت أن البعض ربطوا بين التوقيت الزمنى لانعقاد هذه الورشة، والعملية الإرهابية الأخيرة التى شهدتها العريش حتى انتابنى شعور عارم بالاستفزاز، ليس هذا وحسب، بل أثار هذا الربط الخاطئ بداخلى حالة من الغضب الذى استفزنى ودفعنى لأن أخصص مقالى هذا الأسبوع للحديث عما أطلقنا عليه فى المنطقة العربية اسم صفقة القرن «Centuary Deal» التى أراها سببًا أساسيًا فى كل ما شهدته المنطقة من أحداث سريعة ومتلاحقة، وكعادة ثقافتنا العربية، شغلنا أنفسنا بمسمى كلمة «الصفقة» قبل دراسة محتواها!

قمنا بالتفتيش بشتى الطرق عن مغزى الكلمة فى قاموس اللغة والثقافة العربية، وانتهينا إلى الصورة الذهنية الشائعة عنها فى ثقافتنا، بكونها بيزنس بنكهة الفساد والتلاعب إلى آخره من الظنون التى تبرز الفارق اللغوى للكلمة فى قاموس اللغة الإنجليزية، حيث يطلق اسم الصفقة على أى تعامل بيزنس بين طرفين أو أكثر، بصرف النظر عن قيمة أو حجم الصفقة، وهو ما اكتشفه الأمريكان مؤخرًا عندما اتسع حجم الشائعات حول صفقة القرن، حيث تبين لهم أن المشكلة ليست فى المحتوى بقدر ما هى فى الصورة الذهنية لكلمة «الصفقة» فى العقلية العربية وارتباطها عادة بشبهات التآمر والفساد، وهى على ما يبدو سر استبدالهم الأخير لكلمة الصفقة «Deal» بكلمة الفرصة «Opportunity»، فصار عنوان المبادرة هو «Centaury Opportunity» أى فرصة القرن، وهو ما استقر عليه أخيرًا صهر الرئيس الأمريكى فى تصريحاته الصحفية التى حاول خلالها استخدام عناوين متعددة لمبادرته، لتقليل مساحة الغموض والشائعات التى تحيط بها منذ مولدها قبل عامين، وهو ما دفعه إلى التدقيق فى المصطلحات اللغوية، فاستقر حتى الآن على تسمية مبادرته «Peace to Prosperity» أى الازدهار من أجل السلام، وفى أحيان أخرى «Centaury Opportunity» أى فرصة القرن! وامتد التنوع إلى استبدال كلمة «مؤتمر» بكلمة «ورشة عمل»، والمصطلح الأخير مضمونه أن كل الموضوعات المطروحة قابلة للمناقشة والتعديل والتطوير، وهو ما يبرز الجهود الكبيرة للإدارة الأمريكية فى تجميل الشكل قبل المضمون فى طرحها لمبادرة جاريد كوشنر.
من هنا ارتبطت مبادرة الإدارة الأمريكية منذ مولدها، بتناقض المصطلحات الشكلية لها وتعدد الشائعات حولها دون أى رد فعل واضح من الحكومات العربية المعنية التى التزمت الصمت طويلًا، مما ضاعف حجم الشائعات والاجتهادات إلى آفاق تجاوزت حدود واقع الجغرافيا السياسية، إلى خيال الأفلام السينمائية التى تحملت مصر الجانب الأكبر منها، حين ارتبط تضاعفها وتنوعها بالوضع القائم فى شمال سيناء على وجه الدقة، وبالأخص مع كل أزمة يمر بها الأهالى الذين يعيشون فى المنطقة الحدودية برفح والشيخ زويد سواء كانت تتعلق بخدمات التموين أو الصحة أو التعليم وخلافه، أو بعملية اعتداءات إرهابية على المواطنين أو الشرطة، وآخرها واقعة الهجوم على الكمائن الثلاثاء قبل الماضى، حين أسرع البعض إلى ترديد ذات الشائعات الهامسة المتداولة منذ شهور التى تربط بسوء النية بين «ورشة المنامة» واعتداءات العريش!

ووصل الافتراء إلى حد اتهام الدولة بتقصير أمنى «متعمد»، وهو أشبه بحديث الإفك لأن مروجى هذه الخرافات يحاولون من خلالها التلميح بأن مصر بتلك العمليات الإرهابية تسعى لتمرير صفقة القرن، بافتعال أحداث تدفع السكان إلى إخلاء بيوتهم والهجرة لمدن القناة والدلتا، تمهيدًا لتسوية الأوضاع الجديدة لنتائج ورشة عمل فرصة أو صفقة القرن!

هذا هو الواقع الذى لا يجب أن نخجل من مصارحة أنفسنا به، بالرغم من زيفه ومخالفته للحقيقة، لكننا شاركنا بالصمت فى ترويجه، وتركنا لأعدائنا الفرص العديدة لاستثماره فى محاولات ضرب روح الصمود والتحدى والانتماء المشهود بها لأهلنا فى سيناء.

وأود أن أؤكد هنا أنه على الرغم من محدودية تلك العناصر التى تقوم بالترويج ونشر الشائعات والأكاذيب، فإنها استثمرت بكفاءة وسائل التواصل الاجتماعى الإلكترونية فى نشر سمومها والتأثير المعنوى غير المحدود على مجتمع محدود العدد.. متعدد الثقافة.. محاط بفراغ صحراوى هائل يماثل فى مساحته الفراغ أو القصور الإعلامى فى مواجهة ظاهرة التطرف والإرهاب، وتفنيد الشائعات بأسلوب عصرى يستند إلى المنطق والحقائق بقدر أكبر من العبارات التقليدية النافية لواقع يعيشه ويعايشه الناس فى مناطق الحدث، وهو ما تناولته بشكل مفصل فى ثلاثة مقالات سابقة.
أعود إلى الوهم المسمى بصفقة القرن «سابقًا»، وفرصة القرن «حاليًا»، فأقول من واقع ما أتيح لى من قراءة تقارير صحفية منشورة بأمريكا، ومتابعة لتصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسى ووزير الخارجية عنها، بالإضافة إلى العديد مما نشر عنها فى الصحافة العربية والإسرائيلية، فأوجز

الأمر مجتهدًا برؤيتى واستيعابى الشخصى فى النقاط التالية:
– فرصة القرن هى مجموعة من الفرص الاستثمارية أو المشروعات الاقتصادية المفترض تنفيذها فى الضفة الغربية وغزة وسيناء والأردن، بتكلفة تقديرية ٥٠ مليار دولار خلال عشر سنوات لن تسهم فى تمويلها أمريكا بدولار واحد، وسوف يقصر دورها على استخدام نفوذها لدى البنك الدولى وصندوق النقد وغيرهما من مؤسسات التمويل الدولية فى دعم تقديم قروض للدول المعنية بالمشروعات المقترحة.

– فرصة القرن مبادرة اقتصادية لا تتضمن أى مرجعية سياسية لتسوية العلاقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية كحل الدولتين وغيره من المكاسب السياسية السابقة للسلطة الفلسطينية تحقيقها خلال السنوات الطويلة الماضية، بدعم المجتمع الدولى فى ظل تحيز الإدارة الأمريكية الحالية المعلن لإسرائيل، ورفضها الاعتراف بأى مرجعيات سياسية سابقة، بدعوى أن الإنعاش الاقتصادى لأطراف الصراع سوف يهيئ المناخ لحل سياسى للقضية الفلسطينية بعد عشر سنوات من الازدهار الاقتصادى! وهو ما يبرز السذاجة وافتقاد الخبرة السياسية التى تعيشها الإدارة الأمريكية حاليًا التى تجهل أن الانتعاش الاقتصادى لا يمكن أن يتحقق بدون استقرار سياسى يسبقه ليقلل مخاطر الاستثمار طبقًا للحكمة الشائعة بأن رأس المال جبان لا يذهب سوى لأحضان الاستقرار والأمان!

– بالرغم من تقديرى لمبررات السلطة الفلسطينية فى مقاطعة «ورشة عمل المنامة»، إلا أننى أشعر بسعادة وترحيب الإدارة الأمريكية وإسرائيل بها، من خلال تصريحات نتنياهو الأخيرة الأسبوع الماضى أثناء لقاء بولتون مستشار ترامب للأمن القومى، عندما سخر من المقاطعة الفلسطينية بكونها رفضًا مسبقًا لفرص ذهبية دون الاطلاع عليها كعادة العرب! وهو ما يؤكد النوايا الخبيثة لاستثمار حضور الفلسطينيين الورشة، بكونه موافقة على رؤية كوشنر بأن الازدهار الاقتصادى يسبق الحل السياسى، وبكونه تأكيدًا للشائعات والأوهام التى نروج لها بالصمت عن بيع القضية الفلسطينية بخمسين مليار دولار!

– مقاطعة السلطة الفلسطينية ورشة المنامة، وانخفاض مستوى التمثيل السياسى العربى بها والتحفظات العربية عليها، هى المبررات التى سوف تستثمرها أمريكا قريبًا لإعلان فشل صفقة القرن، واتهام الفلسطينيين بضياع الفرص الذهبية لها، لتبرير خطة أخرى لتأكيد الاحتلال الإسرائيلى، حيث كشفت صحيفة «واشنطن بوست» الثلاثاء ٤ يونيو ٢٠١٩ أن وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو، أبلغ زعماء المنظمات اليهودية الأمريكية فى مدينة نيويورك خلال لقائه المغلق الذى عقده معهم فى ٢٨ مايو الماضى، بأن إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، لديها شكوك بجدوى «صفقة القرن» كخطة للسلام واستندت صحيفة «واشنطن بوست» فى تقريرها لتسجيل صوتى لاجتماع مغلق للوزير بومبيو مع رؤساء كبرى المنظمات اليهودية فى الولايات المتحدة، تبعه لقاء للوزير مع منظمة اللوبى الإسرائيلى «إيباك» فى ذات اليوم فى سرية وكتمان، لدرجة منع الصحافة المشاركة به، حيث صارحهم بأن الشق الاقتصادى لصفقة القرن غير قابل فى توقعه للتحقيق! وأشار إلى أن الإعلان عن الصفقة، قد تم تأجيله أكثر من مرة حيث لا توجد ضمانات بأن أمريكا ستكون قادرة على حل النزاع العربى- الإسرائيلى المتجمد منذ سنوات، ولذا فإن إدارة ترامب تحتفظ بخطة للتعامل مع تداعيات قيام إسرائيل بضم الضفة الغربية المحتلة أو أجزاء منها فى حالة الرفض المتوقع لصفقة القرن!.

– «ورشة عمل المنامة» التى نروج لها بالصمت على الشائعات والأكاذيب الصادرة عنها والتى لا وجود لها إلا فى أذهان أعدائنا والمتربصين بنا، سوف تحظى بالفشل كما توقع الأمريكان ذاتهم لها، لأنها قامت على افتراضات خاطئة بأن الانتعاش الاقتصادى سوف يخفف وطأة الفقر والبطالة والركود الاقتصادى التى يكابدها الفلسطينيون بالرغم من أن كل أسبابها أمريكية الصنع.

منذ أن أعلن الرئيس ترامب سعيه لحل الصراع الفلسطينى الإسرائيلى قبل أكثر من سنتين، فإن إدارته اتخذت إجراءات غير مسبوقة من بينها الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها دون اتفاق على الوضع النهائى، وقطع التمويل عن السلطة الفلسطينية ووكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة «الأونروا»، وإغلاق مكتب بعثة منظمة التحرير الفلسطينية فى واشنطن، وإغلاق القنصلية الأمريكية فى القدس «القناة الدبلوماسية الأمريكية التاريخية للفلسطينيين»، وقطع مساعدات وكالة التنمية الأمريكية يو. إس. إية. آى. دى USAID المقدمة للفلسطينيين، وقطع المساعدات التى كانت تقدم لمستشفيات القدس المحتلة، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السورى المحتل. فهل يعقل أن نصدق بازدهار اقتصادى ممن يدس السم لنا فى العسل؟ وهل يعقل أن نقبل فرصًا ذهبية كما يزعم أصحابها، تم إعدادها فى مطبخ يديره يهود متعصبون، وهم «الشيف جاريد كوشنر» ومساعداه جيسون جرينبلات مبعوث ترامب للمفاوضات الدولية، وديفيد فريدمان سفير ترامب فى إسرائيل.

إننى أتوقع لـ«صفقة القرن» نفس توقعات الأمريكان لها، وهو الفشل والندامة على الوقت الثمين الذى أهدرناه فى أحاديث وشائعات تبادلنا خلال اتهامات باطلة بالخيانة والتفريط فى سيادتنا وأرضنا، دون أى أسانيد سوى الشراك الخداعية التى نصبها لنا أعداؤنا والمتربصون بنا، وتحمل شظاياها أبناؤنا الأبطال من جنود جيشنا وشرطتنا الساهرين ليلًا ونهارًا على أمننا وسلامتنا.

تحية واجبة للرئيس عبدالفتاح السيسى، لصبره وحكمته فى تناول تلك الشائعات والأكاذيب عن صفقة أو فرصة القرن، مكتفيًا فى ثقة معهودة وبعبارات مختصرة عن الثوابت الاستراتيجية المصرية بأنه لا تفريط فى ذرة أو حبة رمل.

كفانا العيش فى لغط الشائعات، وكفانا استسلامًا لتلك الحالة شديدة الارتباك التى خلقتها الأكاذيب، وصنعتها الأفكار المسمومة التى يتم الترويج لها عبر السوشيال ميديا على يد مجموعة مدربة تدريبًا عاليًا على بث الأكاذيب.. وعلينا أن ندع تلك الأوهام، ونلقى بها خلف ظهورنا، وأن نحرص كل الحرص على أن نضاعف جهودنا فى التنمية الطموحة التى سوف نجنى ثمارها بكل تأكيد، بالشكل الذى يحقق لنا الاستقرار والأمن والأمان.

 

السيرة الذاتية