أرفعوا شعار المياه حياة 7 / 7 / 2018

أرفعوا شعار المياه حياة جريدة الدستور 7-7-2018

لم تعد قضية المياه مجرد مسألة التزام طبيعى يقع على عاتق الدولة تجاه الشعب، من أجل توفير ما يحتاجه المواطن لسد احتياجاته الضرورية منها وحسب، بل تحول الأمر ‏برمته إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، فأصبحت المياه، فى ظل التحديات الكبرى التى تواجهنا الآن، قضية مصيرية، تخص الدولة والشعب على حد سواء، بعدما تحول الأمر إلى ‏مسألة حياة، والآن ليس أمامنا خيار غير حماية هذه المياه بكل ما أوتينا من قوة.‏

كيف لا تكون القضية على هذا النحو من الأهمية وكلنا نعى جيدًا أن المياه ضرورة من ضرورات الحياة؟، وهذا فى تقديرى ليس مجرد شعار للاستهلاك الإعلامى وإنما أسلوب حياة، لما تمثله المياه من ‏أهمية قصوى لبقاء كل شىء حى فى هذا الكون، فحينما ننظر إلى كتاب الله وهو يُحدد أهمية هذا العنصر الحيوى نجد الآية الكريمة «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَىْءٍ حَىّ»، وإذا نظرنا إلى قوله تعالى «وَكَانَ ‏عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»، نجده يوضح لنا أننا نعيش على هذا العنصر الحيوى.‏

وحينما أتناول قضية المياه وضرورة نشر ثقافة الحفاظ عليها، فإننى هنا أتوقف طويلًا أمام تلك الطفرة التى أحدثها العالم الجليل الدكتور محمد عبدالعاطى، وزير الرى والموارد المائية، من أجل الحفاظ ‏على المياه، فهو شخص مثقف وعالم يتصدى للعديد من التحديات فى فترة صعبة، فقد أراد الله أن يجعله مسئولًا عن هذا الملف الحيوى الآن، ويعاونه فى تحقيق ذلك نخبة مختارة من كبار المسئولين.‏

القضية التى أتناولها الآن لا تتعلق بحجم المياه فقط، ولكن ما يشغلنا وندعو إلى التأكيد على أهميته وخطورته هو «ندرة المياه»، الأمر الذى يتطلب ضرورة أن يتحمل كل منا مسئوليته على قدر طاقته، ‏فكلنا مشاركون فى هذه القضية، وهنا أرى ضرورة استعادة «ثقافة الإرشاد والترشيد»، التى تلاشت مؤخرًا من حياتنا لأسباب عديدة، لن أخوض فيها الآن، وإنما أود فقط التنويه إلى أن هناك فرقًا شاسعًا ‏بين الإرشاد والترشيد.‏

الترشيد لا يأتى إلا بعد نشر ثقافة الإرشاد، وهنا نجد السؤال الذى يطرح نفسه: كيف ننشر تلك الثقافة ونعيد صياغتها؟، خاصة أن سيدنا الحبيب المصطفى، عليه أفضل الصلاة والسلام، يحثنا على أهمية ‏الاقتصاد فى موارد المياه.‏

فى تقديرى فإن أعظم ما فى النعمة أن نصونها ونشكر الله عليها، الأمر الذى يدعونى إلى المطالبة بتواجد ثقافة الحفاظ على المياه، خاصة أننا -وللأسف الشديد- أهدرنا خلال فترات طويلة تلك النعمة ولم ‏نحافظ عليها، وهذا يدفعنى إلى القول بأن سبب تلك المأساة أن هناك رى الحياض والغمر، ما يتسبب فى إهدار كميات كبيرة من المياه.‏

كنت فى زيارة إلى معالى وزير الرى منذ فترة قليلة، وتأملت فى لوحة تتضمن أسماء وزراء الرى فى مصر، منذ عهد محمد على باشا، وقتما كان اسمها وزارة الإرشاد، وكانت إحدى الوزارات ‏السيادية. إننا نعلم ما قام به محمد على باشا فى هذه القضية، إلى جانب دوره المهم فى بناء مصر الحديثة، ما يدفعنى إلى القول بأننى لست مع مقولة «مصر هبة النيل»، لأن مصر هى هبة المصريين، ‏وتلك الحضارة المصرية القديمة أوجدها المصرى بجده واجتهاده وذكائه وتطويعه للظروف الصعبة.‏

وهنا تكمن أهمية رؤية وإدارة الرئيس عبدالفتاح السيسى لتلك القضية شديدة الحساسية، تلك الرؤية التى تعكس قدرته على الحفاظ على مقدرات مصر، خاصة أنه يتعامل مع الماء باعتباره قضية أمن ‏قومى، الأمر الذى يدفعنا لأن نستخدم كل مواردنا وقدراتنا لمواجهة تلك التحديات، فالشعب المصرى يريد أن يطمئن على المياه فى ظل تلك الكثافة السكانية العالية، التى تزداد يومًا بعد الآخر، ما يعظم من ‏ثقافة ترشيد استهلاك المياه، لمواجهة تلك الأخطار التى تحيط بنا، فإذا نظرنا إلى دولة مثل إسرائيل تعانى ندرة فى المياه، فإنها تحولت إلى مصدر قلق، لأن ما يحدث فى نهر النيل بإثيوبيا ليس ببعيد عنها، ‏وهو نفس ما يحدث فى أنهار أخرى مثل دجلة والفرات بالعراق.‏

ومن هنا تتضح أهمية أن يتولى مسئولية وزارة الرى والموارد المائية الدكتور محمد عبدالعاطى، الذى يولى هذا الملف اهتمامًا خاصًا من خلال منظومة عمل متكاملة تضم نخبة من العلماء والخبراء ‏المتميزين الذين يجسدون الحاضر والمستقبل، فى منظومة عمل ناجحة، لأن مصر مليئة وغنية بالكفاءات والعقول، فكانت المحصلة النهائية وجود صفين أول وثانٍ فى وزارة الرى والموارد المائية.‏

ولتبسيط المسألة فى تلك القضية شديدة التعقيد، حينما ندقق النظر فى خريطة مصر سوف نجد أن بها ٩٥٪ صحراء وشريطا مائيا فى الدلتا ونهر النيل، يسير وسط صحراء، ما يزيد من تعقيد الموقف، ‏فهناك العديد من التحديات التى تواجهنا فى مجال المياه فى مصر، على رأسها التغيرات المناخية وارتفاع كبير فى درجات الحرارة، ما يؤدى إلى استهلاك أكبر من المياه فى الصيف. ليس هذا فحسب، بل ‏إن الزيادة السكانية تؤثر بشكل كبير أيضًا على الارتفاع الملحوظ فى الاستهلاك، ما يشير بشكل علمى إلى أننا وبحلول عام ٢٠٥٠ وفى ظل زيادة سكانية متوقعة، سوف يصبح الأمر أكثر تعقيدًا، ما يتطلب ‏ضرورة الحفاظ على الموارد المائية.‏

ومن المتوقع أن نواجه أيضًا ارتفاعًا كبيرًا فى منسوب سطح البحر، وهو ما دفع وزارة الرى إلى البحث عن إيجاد حل لتلك الأزمة من خلال دراسات وبحوث تتم بمعرفة هيئة حماية الشواطئ، بالإضافة ‏إلى الاستفادة من السيول، فهذه الموجات تضخ كميات أمطار كثيرة فى وقت قصير، ما يمكن أن نستفيد منه بتخزين كميات كبيرة من المياه.‏

علمت من الدكتور محمد عبدالعاطى، وزير الرى والموارد المائية، أننا خلال الـ٣ سنوات المقبلة سنكون أكبر دولة فى العالم تقوم بإعادة استخدام الموارد المائية، بناء على دراسات علمية دقيقة، فنحن ‏الأعلى فى إفريقيا بمجال استخدام المياه وكفاءتها، ولكن كل تلك الحلول ليست كافية، لذا فإن الدولة تقوم أيضًا بالعمل على توفير الموارد المائية خلال الخمسين سنة المقبلة، بالعديد من الطرق والأساليب ‏الحديثة والمبتكرة.‏
ولفت نظرى فى استراتيجية «٤ ت» التى وضعتها الدولة، وهى استراتيجية الدولة لـ٢٠٥٠ من ٤ نقاط، تبدأ بالحرف ت، وهى أولًا: تحسين نوعية المياه «تنقية»، فالدولة تشارك بكل أجهزتها لمواجهة ‏تلك القضية ومواجهة التلوث.‏

ثانيًا: الترشيد بالعديد من الوسائل، وثالثًا: تنمية الموارد المائية التى ستعتمد على تحلية مياه البحر، إلى جانب فوائض البخر من خلال التعاون مع دول حوض النيل ومشاركة الدول الإفريقية المعنية بنهر ‏النيل، وهذا نهج التعاون مع الشركاء فى إفريقيا وحوض النيل.‏

وإذا نظرنا إلى «ممر التنمية» ببحيرة فيكتوريا، فسنجد أن هناك ٥ دول حبيسة، أى ليس لها منفذ على البحر، وهذه الدول لديها موارد مائية غزيرة ولكنها لا تعرف تسويقها، خاصة فى وجود العديد من ‏التحديات، وبالتالى فإنه من المنطقى جدًا أن نتعاون مع تلك الدول من خلال البحث عن حلول فعالة، منها الملاحة النهرية، وأن نقوم بربط بحيرة فيكتوريا بالبحر المتوسط، ومن هنا فإنه فى تقديرى سيصبح ‏نهر النيل من مجرد ناقل للمياه إلى ناقل للتنمية أيضًا.‏

ومن التحديات الأخرى التى تواجهنا فى مجال المياه نجد «الفواقد»، فنحن نفقد العديد من الموارد المائية، ومن هنا استراتيجية «٤ ت» هى تنقية، ترشيد، تنمية الموارد المائية.. والنقطة الرابعة هى ‏التوعية من خلال وسائل الإعلام والتوعية المجتمعية، من خلال كل أجهزة الدولة ومن الشعب بأكمله بهذه القضية، ما يفرض علينا ضرورة إعادة النظر إلى أهمية التشريعات لمواجهة المخالفين، صحيح ‏أن عددهم قليل فى الدولة، ولكن القانون هو السبيل الوحيد لردعهم.‏

ورغم كل ما سبق من وجود أزمة حقيقية فى المياه، إلا أن خطة الدولة فى مجال الموارد المائية من ٢٠١٧ إلى ٢٠٣٧ وهى ٢٠ سنة، مدعاة للشعور بالتفاؤل، إذ تتضمن العديد من المشاريع وتكلفتها ‏تتعدى ٩٠٠ مليار جنيه، وهذا تحدٍ كبير، ويتطلب تكاتف الجميع من أجل إيجاد حل لتلك القضية من خلال توفير الموارد المالية ومواجهة التحديات وتهيئة المناخ، لخلق أجيال جديدة ومشاريع تدريب حتى ‏تكون لدينا خبرات وكفاءات قادرة على قهر المستحيل. إننا أمام قضية فى منتهى الأهمية والخطورة فى نفس الوقت.. قضية «المياه حياة».‏

 

السيرة الذاتية